الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

236

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا يشكلن عليك في هذا المقام ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه أنه قال : « مات النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد . قال : « ونحن ورثناه » وأبو زيد هذا اسمه قيس بن السكن كما رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين . وإنما قلنا لا يشكلن عليك هذا الحديث ، لأن الحصر الذي تلمحه فيه حصر نسبى ، وليس حصرا حقيقيّا حتى ينفى أن يكون غير هؤلاء الأربعة قد جمعه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والدليل على أن هذا الحصر إضافى لا حقيقي هو ما رواه البخاري عن أنس نفسه أيضا وقد سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أربعة كلهم من الأنصار : أبىّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد » ا ه فأنت ترى أن أنسا في هذه الرواية ذكر من الأربعة أبىّ بن كعب بدلا من أبى الدرداء في الرواية السابقة . وهو صادق في كلتا الروايتين لأنه ليس بمعقول أن يكذّب نفسه ، فتعين أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافى ، بأن يقال إن أنسا رضى اللّه عنه تعلق غرضه في وقت ما بأن يذكر الثلاثة ، ويذكر معهم أبىّ بن كعب دون أبى الدرداء ، حاصرا الجمع فيهم ، ثم علق غرضه في وقت آخر بأن يذكر الثلاثة ويذكر معهم أبا الدرداء دون أبىّ بن كعب . وهذا التوجيه وإن كان بعيدا ، إلا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين ، وبينهما وبين روايات أخرى ذكرت غير هؤلاء . ومن هنا قال الماوردي : لا يلزم من قول أنس رضى اللّه عنه « لم يجمعه غيرهم » أن يكون الواقع كذلك في نفس الأمر ، لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك ، مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ، ولا يتم له ذلك إلا إذا كان قد لقى كل واحد منهم ، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا في غاية البعد في العادة . وكيف يكون الواقع ما ذكر ، وقد جاء في صحيح البخاري أيضا من طريق حفص بن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خذوا